سوسة..مدينة تتقن لغة السّحر والجمال .. بقلم د غسّان شحرور

    

        عندما وصلت إلى مطار “تونس قرطاج”، في أقصى الشمال التونسي، عدت بذاكرتي إلى ما كنت قد قرأته عن الجمهورية التونسية من معلومات عامة، فمساحتها تبلغ نحو 165 ألف كيلو متر مربع، منها نحو 25 ألف كيلو متر مربع من الصحاري، بينما يصل طول ساحلها المطل على البحر المتوسط إلى نحو  1200 كلم2، ولا يزال اسمها “تونس الخضراء”، ولم يغب عن ذاكرتي أيضا القائد الكبير “عقبة بن نافع” الذي وضع حجر أساس مدينة  “القيروان” الشهيرة، والتي أشعّت بنورها على شمال أفريقيا ردحا طويلا من الزمن.

            شعرت وأنا أغادر  أرض المطار أنني أعرف تونس منذ زمن بعيد، وسرعان ما غصت في صفحات التاريخ وتذكّرت أسماء خالدة كابن خلدون، وابن الجزار، وابن شرف، وابن هاني، وابن رشيق، وأبي القاسم الشابي وغيرهم ممن تركوا بصماتهم الخالدة في تاريخ وطننا العربي الكبير.

 تونس الأمس واليوم

            في صباح اليوم التالي خرجت مبكّرا إلى مركز مدينة تونس العاصمة، وقد ساعدني في ذلك صديقُ تونسي آثر أن يصطحبني في هذه الجولة ليعرّفني عن كثب معالم هذه المدينة العريقة خاصّة أنه لمس شوقي إلى ذلك، وخلال هذه الجولة السريعة، وجدت أن هذه المدينة تجمع في انسجام بديع الماضي العريق إلى جانب الحاضر البهيج، فهي بيضاءُ ببنائها، وخضراءُ بحدائقها، وغنية بآثارها الرومانية والإسلامية التي نجدها هنا وهناك، ولم يغب عن عيني خلال جولتي هذه  “جبل ذو القرنين”  هذا الشامخ الأشم القادم من البحر.

 الطريق إلى سوسة

            في صباح اليوم التالي انطلقت مع صديقي إلى مدينة “سوسة” التي أقصدها، وهي تقع في الجنوب التونسي وعلى بعد نحو 200 كلم من العاصمة ” تونس “، وقد اختار لي الطريق الساحلي حتى أشاهد أهم المعالم السياحية التونسية، هذه الصناعة التي توليها تونس أهمية كبرى في دعم اقتصادها وبناء نهضتها، وقد بدأت جولتي من منطقة “قمّرت” الساحلية GAMMARTH ، و “المرسى” MARSA حيث  ينتشر فيها عدد كبير من المنتجعات السياحية ذات الشواطئ الجميلة، وأخذنا في الارتفاع رويدا رويدا في الطريق الجبلي، حتى وصلنا إلى منطقة مشهورة ومرفأ سياحي مهم، إنها بلدة “سيدي بوسعيد” SIDI BOU SAID، والتي تعدُّ من أجمل الضواحي الشمالية للعاصمة، وتقع على تلّةٍ تشرفُ على البحر وعلى قمتها جامع “سيدي بو سعيد”، ثم ما لبثنا أن وصلنا إلى “قرطاج” حيث المسرح الأثري الروماني الشهير،ونظرا لضيق الوقت لم أستطع أن أتجول في مناطق أخرى جميلة مررنا بها في الساحل التونسي الشمالي مثل “صلامبو”، و “الكرم”، “حلق الوادي” ذات القلعة الأثرية القديمة، وفي طريقنا الساحلي مررنا بمنطقة “رادس”، “الزهراء”، “حمام الأنف”، مدينة “نابل” و “الحمامات” وغيرها  حتى وصلنا  إلى “حمام سوسة”، ومدينة “سوسة”، هذه المدينة التي تعدُّ مع مدينة “المنستير” الساحلية جوهرتان فريدتان على ساحل تونس، يمتد الساحل في مدينة “سوسة ” عشرات الكيلومترات، وهي ميناء سياحي مهم يحفل بعشرات المواقع السياحية الساحلية وشبكات الفنادق أو النزل  ذات الجمال العمراني السّاحر.

 سوسة مدينة الأحلام

            لا يشعر المرء بسطوة الوقت، وهو يتجول في “سوسة”، فمواقعها الجميلة تنسيه مرور الوقت، وبالكاد يستطيع الإفلات من سحر موقعها وفتنة أزهارها، وسرعان ما يجد عبق الأمس يمتزج بأريج اليوم في الكثير من معالمها وآثارها النفيسة.

            تعد مدينة “سوسة” ثالث مدن تونس بعد “تونس” العاصمة، و “صفاقس” عاصمة الجنوب، وهي من أقدمها، إذ يعود تاريخ هذه المدينة الجميلة إلى نحو ثلاثة آلاف عام،عندما أسسها الفنيقيون ودعوها باسمها القديم هدرموت  HADRUMET، وربما كان ذلك قبل مدينة قرطاج الشهيرة، ثم احتلها الرومان فالوندال فالبيزنطيون، إلى أن نعمت بالإسلام فكانت ولادتها الحقيقية والدائمة، وقد  احتلها النورمنديون في القرن الثاني عشر والإسبان في القرن السادس عشر، والفرنسيون في القرن الثامن عشر. ولا شك أن متحفها وبرجها وقلعتها ومآذنها وأسواقها التقليدية هي خير من يتحدث عن تاريخها العريق الذي أعطاها مكانتها المرموقة، ولا شك أن موقعها، والمناطق والمدن التي تحيط بها، قد ذابت في سحرها  وروعتها، فهي قريبة من مدينة “القيروان” التي كانت عاصمة إسلامية مزدهرة، ومدينة “منستير” الساحلية الجميلة ومطارها الدولي الذي لا يبعد أكثر من عشرين كيلومتر عن سوسة، و”الجم” وما هي إلا “ثسدروس” القديمة، أهم مدينة رومانية شهيرة بمسرحها الأثري الكبير.

            تعود خصوصية “سوسة” أيضا إلى الغابات الكثيفة من أشجار  الزيتون التي تغطّي نحو 250 ألف هكتار تمتد حولها في جمال فتّان  فتزيد هذه الكنوز الطبيعية من رصيد أهل هذه المدينة في عالم الصناعة والتجارة. ولم أجد من ينافس أشجار  الزيتون هذه في جمالها وبهائها إلا أشجار النخيل الباسقة وهي تلون الطرقات والساحات العامة. كذلك من أهم ما يميز سوسة أيضا  “مرسى القنطاوي” بمينائه ومنتزهاته وحيّه التجاري وأسواقه التقليدية إضافة إلى ملاعب التنس والصولجان، ونوادي التزلج على الماء والغوص في أعماق البحر، ويصطف أمام المرسى عشرات المراكب البحرية الجميلة المكتظة بالسياح القادمين من كلِّ حدب وصوب ينشدون الراحة والاستجمام في هذا المناخ المعتدل الجميل.

      ما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي على ظهر مركب صغير في جولة بحرية تطوف حول الشاطئ الجميل ومناظره الخلابة التي جعلتني أغفل عن تناول بعض التمور التونسية اللذيذة كان صديقي قد قدّمها لي.

            لقد بدت أسوار المدينة القديمة كاليد الحنونة تحتضن  بداخلها هذه المدينة الوادعة بكل ما تضمه من دور السكن القديمة والحديثة والأسواق التقليدية والعصرية والجوامع والطرقات والساحات وغيرها، وقد بدى واضحا ما بذله أهل “سوسة” من جهود كبيرة للحفاظ على هذه الأسوار الجميلة وترميمها  لتكسِب مدينتهم هذه الحلة البديعة.

            لقد لمست خلال زيارتي للعديد من أماكنها العامة مدى  تأثير ثروات وكنوز “سوسة” التاريخية والطبيعية في العديد من مهرجاناتها الثقافية والفنية والأدبية، والتي تكاد لا تنقطع على مدار السّنة.

            وعندما تتجول في مدينة “سوسة” تجدُ معالمها القديمة والحديثة تعزفان معا لحنا بديعا متجانسا تترنم له أشجار النخيل المنتشرة على امتداد شوارعها الفسيحة، وتشهد عشرات الفنادق أو النزل ذات الفنون العمرانية البديعة بألوانها الزاهية وحدائقها الغناء كيف يمتزج عبق الأمس  بأريج اليوم، وكيف تتقن هذه المدينة لغة السّحر والجمال.

مقال للدكتور غسان شحرور  مجلة المعلومات  دمشق

Article ” The Road to Soussa” written by Dr Ghassan Shahrour, Damascus Syria 1999

Advertisements

About Dr. Ghassan Shahrour

Dr. Ghassan Shahrour is an expert in medicine, and disability issues with long-term management and operational experience at diverse levels Dr. Shahour was trained at Damascus University, with further training at the University of Birmingham and other education centers He has published many articles, conference papers and presentations. He is a member of a number of national, regional and international professional and civil society associations.
هذا المنشور نشر في الثقافة. حفظ الرابط الثابت.

19 Responses to سوسة..مدينة تتقن لغة السّحر والجمال .. بقلم د غسّان شحرور

  1. Nadeem كتب:

    What a beautiful Sosa and article Congratulation Ghassan Shahrour
    All the best Nadeem

  2. soumaya كتب:

    Ilove Tunisi very much

  3. nour كتب:

    comme elle est belle sousse

  4. nour كتب:

    I ma very happy nour bano my from is tunisia

  5. nour كتب:

    I ma very happy nour bano

  6. houssine garsallah كتب:

    SOUSSE EST LA PLUS BELLE VILLE DU MONDE C’ EST LA PERLE DU SAHEL

  7. athina كتب:

    elle est trés belle

  8. ons كتب:

    تونسنا جميلة رائعة بكل مناطقها و جهاتها رغم ان الارهاب يهددها لكنها قوية
    #جميعا ضد الارهاب

  9. ons كتب:

    تونسنا جميلة رائعة بكل مناطقها و جهاتها رغم ان الارهاب يهددها لكنها قوية
    #جميعا ضد الارهاب

  10. chokran كتب:

    سوسة جوهرة الساحل

  11. chokran كتب:

    سوسة جوهرة الساحل
    تونس ايضا من اروع المدن

  12. هالة كتب:

    برررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااافوااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

  13. هالة كتب:

    bravo yatik sa77a une bonne écrit

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s